السبت، 15 يوليو 2017

صفيّة

لم أكن يوماً مقدسيّة! رغم أنّ مدينة السلام مسقط رأسي ومهدي ومراهقتي وصباي. لطالما كان دمي أزرقاً .. زرقة أتت من ملامح الأونروا واللجوء. أنتمى أنا لبيّارات يافا المسروقة ولوني يُشبه كروم العنب في خليل الرحمن. أنا مزيج لطيف من الجنوب ومن الشمال الشرقي للساحل. توليفة غريبة مبدعة تطغى على أي تعصّب لأي قرية أو مدينة فلسطينيّة.
لم أكن يوماً مقدسيّة ولم يستهوني للحظة السباق المحموم لنيل وإثبات ذلك الشرف.
شهدتُ في طفولتي أحداث مرعبة كثيرة في القدس، أذكر منها ما أذكر .. حتّى أنّي حين أرجع بالذاكرة ليوم مجزرة الأقصى في 8 أكتوبر من العام 1990، أكاد اشتم رائحة دم الشهداء مجبولة بتراب الحرم القدسيّ الشريف ودخان الرصاص والبارود. ذاكرة قديمة موجعة كادت أن تتلاشى .. لولا أن هناك من يُصر على إحياءها وتجديد سماتها بإستمرار الإحتلال وممارساته وظلمه ..
أذكر واجب الرياضيات المتقن الممتاز، كنت أكتبه بعناية فائقة على نور لمبة الكاز ورائحتها العجيبة رغم الوضع المادي الجيّد في ذلك الحين. ورغم توفّر الكهرباء. لكن تلك كانت أوامر دبابة الإحتلال حين فرضت منع التجوال وإطفاء الأنوار، لعدة أيام على التوالي، وجثمت بسكون مدوي أمام باب بيتنا في القدس.
أذكر مداهمات الجيش. والخوف الممزوج بالكرامة وعدم الإفصاح. أذكر دبيب أقدام الفدائيين الملثمين الحذر، وأنفاسهم اللاهثة هربا من الجيش خلف الأسوار وبين الأشجار.
كل ذلك وأكثر لم يكن ليحزنني. كنت أشعر بالفخر والعز.
وكان فرحي حين الفرح فرحا صادقا عارما خاليا من الآلام والحسابات والتكهنات والترقّب.
أما الآن .. فحزني وقهري وقلقي على مدينتي لا يجد نعتا لائقا لوصفه بحق.
خوفي الآن .. لا يشبه أي شيء .. ولا يواسيه صوت مرسيل خليفة الخافت المنبعث من مذياع قديم في غرفة الجلوس يغني "وعلى كتفي نعشي .. وأنا أمشي وأنا أمشي .. "
ولم يعد بمقدور قصة ما قبل النوم، وهي الأجمل على الإطلاق، أن تواسيه.
هذه الرواية العبقرية .. تسردها أختي الكبرى بصوت شجيّ حنون .. يصمت حينا ويغص ويختنق حينا آخرا : "أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله .. ".
لك الله يا قدس.

-- هلا محمد أبو شلباية
15.07.2017
فلسطين المحتلة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق