الاثنين، 25 يونيو 2018

مغالطات بديعة!

أنيق .. وسيم .. حاد الذكاء .. وبالطبع، متمرّسٌ وواثق. جاء ليلقي ما في جعبته من حِمل. كنوع من الكياسة الدبلوماسية .. وبشيء من بعد النظر الاستراتيجي.

فهذه منصة أكاديمية مرموقة لا يُغض أمامها بصر.
جاءنا ملادينوف، ناصحاً واضحاً، ليس آبهاً بمجازية عنوان المؤتمر. يسارعنا بكلمتهِ خاليةً من أيّ استعارة أو تشبيه.

"سأبدأ بالإجابة عن تساؤلكم الأوّل: إلى أين نمضِ من هنا ؟ حسناً أنتم لستم ذاهبون إلى أيّ مكان. هذه أرضكم. هذا شعبكم. وهنا ستبنون دولتكم.
كفى لمغادرة الفلسطينيين .. وفقدانهم مفاتيح عودتهم واستسلامهم.
كلا، أنتم باقون هنا ولا تستسلموا. ابنوا دولتكم الديمقراطية الفلسطينية.
لأنه لا يوجد بدائل. مهما تعددت الرؤى والأفكار .. إن خيار الدولة الواحدة ليس مطروحاً.
بل إنّ خيار الدولتين هو الطرح الوحيد الملائم تاريخياً ودينياً ووطنياً وحتى في الإطار القانوني .. للشعب الفلسطيني.
والطريقة المُثلى للوصول لتلك الغاية هي عبر المفاوضات. أنا أجزم بهذا." ....

لقد ولدت يا رفيق ملادينوف في العام ذاته حين قدّمت غولدا مائير حكومتها الثالثة للكنيست الإسرائيلي. هو ذات العام الذي اعترفت فيه جامعة الدول العربيّة بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

كان عمرك يا رفيق، خمسة أشهر حين صار ياسر عرفات أول زعيم بدون دولة يلق خطابا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فنحن كنّا ولازلنا وسنبقى زيتون هذه الأرض. ونحن يا رفيق، لازلنا نقدّس مفاتيح بيوتنا في حيفا واللد وصفد. ولازلنا - نحن الشعب - نعتبر إخراجها من مخبئها خيانة عُظمى.
نحن نحب مفاتيح دورنا .. هي ما تبقى لنا. هي ما نرسم .. ما نغني .. ما نحلم .. مفاتيح بيوتنا هي ما نورث وما نرث.

يا رجل! كيف تجرؤ على استخدام هذا التعبير في هذا السياق .. ولو مجازا ! عليك أن تعلم أن مفتاح بيت جدي في يافا، بالنسبة لي، هو نسخة أصلية أصيلة من قرار 3236 لعام 1974. فما بالك إن كان هذا المفتاح العجيب، يقع في حيازة نحو 5.6 مليون لاجيء فلسطيني بالحد الأدني!

مُغالطات بديعة يا ملادينوف! والبقية ستأتي ..

يدهشك بحس إنساني عظيم وتعاطف حاد مع الأوضاع في غزة الكرامة والصمود .. يحدثك عن انقطاع الكهرباء وعدم صلاحية الماء للاستخدام البشري .. غزة في وضع كارثي يستوجب مساعدات انسانية. فهل سيتحول ملف هذا السجن الهوائي الوحيد في العالم الى قضية مساعدات انسانية وتنمية، وتتلاشى حينها قضية التحرر والاستقلال ؟!
نحن نعرف هذه الحقائق ليس فقط بالأرقام والتقارير، بل ببعدنا العائلي في أقل تقدير. هنا أصبت. لنا اخوة هناك وأصدقاء قدامى.

ثم يأتي دور النصيحة الحكيمة بحتمية الوصول الى حل جذري؛ عبر طريق واحد وحيد، وهو المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.
مشيرا الى التحديات الجمة في طريق السلام من تآكل أرض دولة فلسطين! عبر بناء البؤر الاستيطانية ومصادرة المزيد من الدونمات والتوسع الإسرائيلي. لكنك يا رفيق، لم تتلفظ حتى بكلمة السر! ولم يكن اصبعك المشير الى المشكلة؛ ثابتا أوواضحا.

فأنا لم أسمع منك أن هذا الذي يفترس الأرض هو الإحتلال. ولم أفهم منك آلية تدخلك لوقف هذه الانتهاكات.

وضحت لنا تعاطفك وفهمك الجزيل للأوضاع وبينت لنا التحديات والعقبات في طريق الوصول الى المفاوضات .. مرة اخرى. وشرحت باستفاضة عن خطر الإنقسام الفلسطيني الفلسطيني. وأكدت على أن دورك ومن تمثل، يتمحور في الوساطة وتقريب وجهات النظر .. ونوهت الى اهمية عدم الانزلاق في دهاليز السلام الاقتصادي ومنهج ادارة الصراع، لما لهما من أثر سلبي على حلول الوضع النهائي.

ولكنك يا رفيق لم تتفوة بأي كلمة عن كيفة وضع اسرائيل تحت امرة القانون الدولي.
لم أجد بين سطورك اي شيء عن القدس في ظل عدم اعتراف اسرائيل باحتلالها أصلاً. فمثلاً لم أستطع استخلاص أي لمحة عن مصير ابناء المدينة الأسرى في سجون الإحتلال، وخاصة الأطفال منهم.

ولم أجد أمامي سوى شخص سريع البديهة يتقن ما يفعل. لم يكن بوسع الرجل، سوى القيام بعمله على أتم وجه .. قال ما قاله .. ورحل مستعجلاً .. لضيق الوقت ولإزدحام الأجندة.

-- هلا محمد أبو شلباية
خلال المؤتمر السنوي الأول لمركز دراسة السياسات وحل الصراع - الجامعة العربية الأمريكية / فلسطين / June 2018

الأحد، 17 يونيو 2018

والمزيد من تكسير العظام

في الرّابع من نوفمبر عام 1995، اغتال إيجال أمير أشهر رجالات البالماخ المتفرّعة من الهاجاناه، وبهذا صار اسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الوحيد الذي يقضي اغتيالاً حتى يومنا هذا.
رابين؛ صاحب المنهج الفذ، المعروف بسياسة تكسير العظام، والحاصل أيضاً على جائزة رونالد ريجن للحرية وجائزة نوبل للسلام عام 1994.
نعم، انها لسخرية عظيمة. لكن، لك أن تجد روابط الأمور المنطقية، إذا درست عن كثب قذارة علم السياسة تطبيقاً لا نظرياً.
سياسة تكسير العظام، لمن لم يشهدها، هي نهج جيش الإحتلال الفاشي في قمعنا منذ بضع وثلاثين عاما من اليوم. حين كان الكل الفلسطيني يدرك وجهته، ينتفض لحريته وكرامته. حين كان الكل الفلسطيني جسدا واحدا، عظيما كالبحر شامخا كزيتون البلاد. يعرف عدوه. ويعرف صديقه جيدا. يعرف غايته، وقد دفن عميقا اختلافاته على ألوانها ووضع نصب عينيه الوحدة والنصر.
ثمّ ماذا؟
ضاع الحلم وتاهت الحقيقة في سراديب السياسة المظلمة. كُسّرت أطراف الفدائيين والملثمين. ثم جُبرت مشوّهةً معطوبة، تماما كالصّف الفلسطيني الحالي.
ومرت السنين وحدث فيها ما حدث .. حتى صار هناك فضلا لفلسطيني على فلسطيني. فحكمنا لون بطاقة الهوية .. وحكمنا الحسب والدين .. والحزب والفصيل .. الى أن خلعنا عنا ثوب المُقاوم .. وبتنا عراة لا ثوب يليق بنا !
انتصرنا لأشخاص حسبناهم آله لنا. انتصرنا لأفكار فردية ومناهج جاءتنا من الفضاء .. لا تناسبنا ولا نناسبها.
انتصرنا للبداءية والهمجية وعظّمنا فوارقنا الهاملة وجعلناها دستورا. خجلنا من كلمة فدائي .. فاستبدلنا مفردات هويتنا بأخرى عصرية عالمية .. حتى توالت علينا المصائب الوطنية .. ليس ككرة ثلج بل كحمم بركان ثائر تحرق كل ما تطل. حتى صار ما لم يكن أبدا في الحسبان، واقعا .. وعليه شهود.
صار واقعا يخلع القلب. صار حقيقيا لدرجة الغثيان. صار مؤلما حد البؤس.
لقد انتهجنا نحن أنفسنا سياسة تكسير العظام. ضد أنفسنا. نحطّم بعضنا البعض .. وبكل فخر نعطي المبررات المنمقة والتخريجات المدروسة بعناية.
في هذه المرحلة نحنا لسنا بحاجة الكثير. سوى وحدة وطنية، انتخابات، شيء من الذاكرة ..... والكثير الكثير من الكرامة والضمير.
-- هلا محمد أبو شلباية | 18.06.2018 | فلسطين المُحتلّة